عبد الفتاح عبد الغني القاضي
313
الوافي في شرح الشاطبية
حين يذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » [ أخرجه البخاري ومسلم ] . منها : « إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا » ، قالوا : وما رياض الجنة يا رسول اللّه ؟ قال : « حلق الذكر » [ رواه الترمذي ] . ومنها : « ما جلس قوم يذكرون اللّه تعالى إلا حفت بهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم اللّه فيمن عنده » [ أخرجه مسلم ] . 1122 - وآثر عن الآثار مثراة عذبه * وما مثله للعبد حصنا وموئلا اللغة : ( آثر ) فعل أمر من الإيثار وهو اختيار الشيء وتقديمه على غيره . و ( الآثار ) جمع أثر وهو الخبر المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . و ( المثراة ) المكان الكثير الندى . و ( الحصن ) اسم لما يختص به . و ( الموئل ) المكان الذي يلتجأ إليه . والمعنى : قدم ندى عذب الذكر على غيره من حطام الدنيا واجعله وصلة بينك وبين ربك حال كونك آخذا ذلك عن الآثار والأخبار الواردة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في فضل الذكر وليس هناك شيء يماثل الذكر فيما يتحصن به العبد من عذاب اللّه ويلوذ به من فتن الحياة . 1123 - ولا عمل أنجى له من عذابه * غداة الجزا من ذكره متقبّلا المعنى : ليس للعبد عمل من أعمال الخير مثل الذكر في إنجائه من العذاب وتخليصه من الأهوال يوم الجزاء إذا كان الذكر متقبلا عند اللّه تعالى بأن يكون خالصا من شوائب الرياء والسمعة ، وفي الحديث إشارة إلى ما أخرجه البيهقي عن معاذ بن جبل رضى اللّه عنه : « ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب اللّه من ذكر اللّه » . 1124 - ومن شغل القرآن عنه لسانه * ينل خير أجر الذّاكرين مكمّلا المعنى : أن أي فرد من أفراد الإنسان كان ذكره تلاوة القرآن دائما بحيث شغله عن سائر الأذكار ؛ فإنه ينال أفضل أجر الذاكرين . وفي البيت إشارة لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يقول الرب عزّ وجلّ : من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » [ أخرجه الترمذي ] والضمير في عنه يعود على الذكر . والمعنى : ومع ما ذكرنا من فضيلة الذكر ، فمن اشتغل عنه بتلاوة القرآن ؛ فتلاوته أفضل من الذكر . 1125 - وما أفضل الأعمال إلّا افتتاحه * مع الختم حلّا وارتحالا موصّلا المعنى : ليس أفضل الأعمال وأكمل الأقوال إلا افتتاح كلام اللّه تعالى مع ختمه بأن يشرع في قراءته من أوله حتى يختمه ، فالضمير في قوله : ( افتتاحه ) يعود على القرآن .